فصل: تفسير الآيات رقم (80- 101)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 79‏]‏

‏{‏وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ‏(‏54‏)‏ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ‏(‏55‏)‏ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏56‏)‏ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ‏(‏57‏)‏ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ‏(‏58‏)‏ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ‏(‏59‏)‏ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ ‏(‏60‏)‏ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ‏(‏61‏)‏ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏62‏)‏ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ‏(‏63‏)‏ قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏64‏)‏ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ‏(‏65‏)‏ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ‏(‏66‏)‏ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ‏(‏67‏)‏ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏68‏)‏ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏69‏)‏ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ‏(‏70‏)‏ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ ‏(‏71‏)‏ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ‏(‏72‏)‏ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ‏(‏73‏)‏ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ ‏(‏74‏)‏ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ‏(‏75‏)‏ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ‏(‏76‏)‏ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ‏(‏77‏)‏ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏78‏)‏ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ ‏(‏79‏)‏‏}‏

نمضي في هذا الدرس مع قصة يوسف، في حلقة جديدة من حلقاتها الحلقة الرابعة وقد وقفنا في نهاية الجزء الثاني عشر عند نهاية الحلقة الثالثة‏.‏ وقد أخرج من السجن، واستدعاه الملك ليكون له شأن معه، هو الذي سنعرفه في هذه الحلقة الجديدة‏.‏

هذا الدرس يبدأ بآخر فقرة في المشهد السابق‏.‏ مشهد الملك يستجوب النسوة اللاتي قطعن أيديهن كما رغب إليه يوسف أن يفعل تمحيصاً لتلك المكايد التي أدخلته السجن، وإعلاناً لبراءته على الملأ، قبل أن يبدأ مرحلة جديدة في حياته؛ وهو يبدؤها واثقاً مطمئناً، في نفسه سكينة وفي قلبه طمأنينة وقد أحس أنها ستكون مرحلة ظهور في حياة الدولة، وفي حياة الدعوة كذلك‏.‏ فيحسن أن يبدأها وكل ما حوله واضح، ولا شيء من غبار الماضي يلاحقه وهو بريء‏.‏

ومع أنه قد تجمل فلم يذكر عن امرأة العزيز شيئاً، ولم يشر إليها على وجه التخصيص، إنما رغب إلى الملك أن يفحص عن أمر النسوة اللاتي قطعن أيديهن، فإن امرأة العزيز تقدمت لتعلن الحقيقة كاملة‏:‏

‏{‏الآن حصحص الحق‏.‏ أنا راودته عن نفسه، وإنه لمن الصادقين‏.‏ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين‏.‏ وما أبرئ نفسي؛ إن النفس لأمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم‏}‏‏.‏‏.‏

وفي هذه الفقرة الأخيرة تبدو المرأة مؤمنة متحرجة، تبرئ نفسها من خيانة يوسف في غيبته، ولكنها تتحفظ فلا تدعي البراءة المطلقة، لأن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ثم تعلن ما يدل على إيمانها بالله ولعل ذلك كان اتباعاً ليوسف ‏{‏إن ربي غفور رحيم‏}‏‏.‏‏.‏

وبذلك يسدل الستار على ماضي الآلام في حياة يوسف الصديق‏.‏ وتبدأ مرحلة الرخاء والعز والتمكين‏.‏‏.‏

‏{‏وقال الملك‏:‏ ائتوني به أستخلصه لنفسي‏.‏‏.‏ فلما كلمه قال‏:‏ إنك اليوم لدينا مكين أمين‏.‏ قال‏:‏ اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم‏.‏‏.‏ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين‏.‏ ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون‏}‏‏.‏‏.‏

لقد تبينت للملك براءة يوسف، وتبين له معها علمه في تفسير الرؤيا، وحكمته في طلب تمحيص أمر النسوة، كذلك تبينت له كرامته وإباؤه، وهو لا يتهافت على الخروج من السجن، ولا يتهافت على لقاء الملك‏.‏ وأي ملك‏؟‏ ملك مصر‏!‏ ولكن يقف وقفة الرجل الكريم المتهم في سمعته، المسجون ظلماً، يطلب رفع الاتهام عن سمعته قبل أن يطلب رفع السجن عن بدنه؛ ويطلب الكرامة لشخصه ولدينه الذي يمثله قبل أن يطلب الحظوة عند الملك‏.‏‏.‏

كل أولئك أوقع في نفس الملك احترام هذا الرجل وحبه فقال‏:‏

‏{‏ائتوني به أستخلصه لنفسي‏}‏‏.‏

فهو لا يأتي به من السجن ليطلق سراحه؛ ولا ليرى هذا الذي يفسر الرؤى؛ ولا ليسمعه كلمة «الرضاء الملكي السامي‏!‏» فيطير بها فرحاً‏.‏‏.‏ كلا‏!‏ إنما يطلبه ليستخلصه لنفسه، ويجعله بمكان المستشار واَلنجيّ والصديق‏.‏‏.‏

فيا ليت رجالاً يمرغون كرامتهم على أقدام الحكام وهم أبرياء مطلقو السراح فيضعوا النير في أعناقهم بأيديهم؛ ويتهافتوا على نظرة رضى وكلمة ثناء، وعلى حظوة الأتباع لا مكانة الأصفياء‏.‏‏.‏ يا ليت رجالاً من هؤلاء يقرأون هذا القرآن، ويقرأون قصة يوسف، ليعرفوا أن الكرامة والإباء والاعتزاز تدر من الربح- حتى المادي أضعاف ما يدره التمرغ والتزلف والانحناء‏!‏

‏{‏وقال الملك‏:‏ ائتوني به أستخلصه لنفسي‏}‏‏.‏‏.‏

ويحذف السياق جزئية تنفيذ الأمر لنجد يوسف مع الملك‏.‏‏.‏

‏{‏فلما كلمه قال‏:‏ إنك اليوم لدينا مكين أمين‏}‏‏.‏‏.‏

فلما كلمه تحقق له صدق ما توسمه‏.‏ فإذا هو يطمئنه على أنه عند الملك ذو مكانة وفي أمان‏.‏ فليس هو الفتى العبراني الموسوم بالعبودية‏.‏ إنما هو مكين‏.‏ وليس هو المتهم المهدد بالسجن‏.‏ إنما هو أمين‏.‏ وتلك المكانة وهذا الأمان لدى الملك وفي حماه‏.‏ فماذا قال يوسف‏؟‏

إنه لم يسجد شكراً كما يسجد رجال الحاشية المتملقون للطواغيت‏.‏ ولم يقل له‏:‏ عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين، كما يقول المتملقون للطواغيت‏!‏ كلا إنما طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الأزمة القادمة التي أوّل بها رؤيا الملك، خيراً مما ينهض بها أحد في البلاد؛ وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحاً من الموت وبلاداً من الخراب، ومجتمعاً من الفتنة فتنة الجوع فكان قوياً في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وكفايته وأمانته، قوته في الاحتفاظ بكرامته وإبائه‏:‏

‏{‏قال‏:‏ اجعلني على خزائن الأرض‏.‏ إني حفيظ عليم‏}‏‏.‏‏.‏

والأزمة القادمة وسنو الرخاء التي تسبقها في حاجة إلى الحفظ والصيانة والقدرة على إدارة الأمور بالدقة وضبط الزراعة والمحاصيل وصيانتها‏.‏ وفي حاجة إلى الخبرة وحسن التصرف والعلم بكافة فروعه الضروية لتلك المهمة في سنوات الخصب وفي سني الجدب على السواء‏.‏ ومن ثم ذكر يوسف من صفاته ما تحتاج إليه المهمة التي يرى أنه أقدر عليها، وأن وراءها خيراً كبيراً لشعب مصر وللشعوب المجاورة‏:‏

‏{‏إني حفيظ عليم‏}‏‏.‏‏.‏

ولم يكن يوسف يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه فيطلب أن يجعله على خزائن الأرض‏.‏‏.‏ إنما كان حصيفاً في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة؛ وليكون مسؤولاً عن إطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره طوال سبع سنوات، لا زرع فيها ولا ضرع‏.‏ فليس هذا غنماً يطلبه يوسف لنفسه‏.‏ فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد إنه غنيمة‏.‏

إنما هي تبعة يهرب منها الرجال، لأنها قد تكلفهم رؤوسهم، والجوع كافر، وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والجنون‏.‏

وهنا تعرض شبهة‏.‏‏.‏ أليس في قول يوسف عليه السلام‏:‏ ‏{‏اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم‏}‏‏.‏‏.‏ أمران محظوران في النظام الإسلامي‏:‏

أولهما‏:‏ طلب التولية، وهو محظور بنص قول الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله ‏(‏أو حرص عليه‏)‏»‏.‏ ‏(‏متفق عليه‏)‏‏.‏

وثانيهما‏:‏ تزكية النفس، وهي محظورة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تزكوا أنفسكم‏}‏ ولا نريد أن نجيب بأن هذه القواعد إنما تقررت في النظام الإسلامي الذي تقرر على عهد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها لم تكن مقررة على أيام يوسف عليه السلام والمسائل التنظيمية في هذا الدين ليست موحدة كأصول العقيدة، الثابتة في كل رسالة وعلى يد كل رسول‏.‏‏.‏

لا نريد أن نجيب بهذا، وإن كان له وجه، لأننا نرى أن الأمر في هذه المسألة أبعد أعماقاً، وأوسع آفاقاً من أن يرتكن إلى هذا الوجه؛ وأنه إنما يرتكن إلى اعتبارات أخرى لا بد من إدراكها، لإدراك منهج الاستدلال من الأصول والنصوص، ولإعطاء أصول الفقه وأحكامه تلك الطبيعة الحركية الأصيلة في كيانها، والتي خمدت وجمدت في عقول الفقهاء وفي عقلية الفقه كلها في قرون الخمود والركود‏!‏

إن الفقه الإسلامي لم ينشأ في فراغ، كما أنه لا يعيش ولا يفهم في فراغ‏!‏‏.‏‏.‏ لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية‏.‏ كذلك لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي أنشأ المجتمع المسلم؛ إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي‏.‏‏.‏

وهاتان الحقيقتان التاريخيتان الواقعيتان عظيمتان الدلالة؛ كما أنهما ضروريتان لفهم طبيعة الفقه الإسلامي؛ وإدراك الطبيعة الحركية للأحكام الفقهية الإسلامية‏.‏

والذين يأخذون اليوم تلك النصوص والأحكام المدونة، دون إدراك لهاتين الحقيقتين؛ ودون مراجعة للظروف والملابسات التي نزلت فيها تلك النصوص ونشأت فيها تلك الأحكام، ودون استحضار لطبيعة الجو والبيئة والحالة التي كانت تلك النصوص تلبيها وتوجهها؛ وكانت تلك الأحكام تصاغ فيها وتحكمها وتعيش فيها‏.‏‏.‏‏.‏ الذين يفعلون ذلك؛ ويحاولون تطبيق هذه الأحكام كأنها نشأت في فراغ؛ وكأنها اليوم يمكن أن تعيش في فراغ‏.‏‏.‏ هؤلاء ليسوا «فقهاء»‏!‏ وليس لهم «فقه» بطبيعة الفقه‏!‏ وبطبيعة هذا الدين أصلاً‏!‏

إن «فقه الحركة» يختلف اختلافاً أساسياً عن «فقه الأوراق» مع استمداده أصلاً وقيامه على النصوص التي يقوم عليها ويستمد منها «فقه الأوراق»‏!‏

إن فقه الحركة يأخذ في اعتباره «الواقع» الذي نزلت فيه النصوص، وصيغت فيه الأحكام‏.‏

ويرى أن ذلك الواقع يؤلف مع النصوص والأحكام مركباً لا تنفصل عناصره‏.‏ فإذا انفصلت عناصر هذا المركب فقد طبيعته، واختل تركيبه‏!‏

ومن ثم فليس هنالك حكم فقهي واحد مستقل بذاته، يعيش في فراغ، لا تتمثل فيه عناصر الموقف والجو والبيئة والملابسات التي نشأ نشأته الأولى فيها‏.‏‏.‏ إنه لم ينشأ في فراغ ومن ثم لا يستطيع أن يعيش في فراغ‏!‏

ونأخذ مثالاً لهذا التقرير العام هذا الحكم الفقهي الإسلامي بعدم تزكية النفس وعدم ترشيحها للمناصب، وهو المأخوذ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تزكوا أنفسكم‏}‏ ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله»‏.‏

لقد نشأ هذا الحكم كما نزلت تلك النصوص في مجتمع مسلم؛ ليطبق في هذا المجتمع؛ وليعيش في هذا الوسط؛ وليلبي حاجة ذلك المجتمع‏.‏ وفق نشأته التاريخية، ووفق تركيبه العضوي، ووفق واقعه الذاتي‏.‏ فهو من ثم حكم إسلامي جاء ليطبق في مجتمع إسلامي‏.‏‏.‏ وقد نشأ في وسط واقعي ولم ينشأ في فراغ مثالي‏.‏ وهو من ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلا إذا طبق في مجتمع إسلامي‏.‏‏.‏ إسلامي في نشأته، وفي تركيبه العضوي، وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة‏.‏‏.‏ وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقوّمات كلها يعتبر «فراغاً» بالقياس إلى ذلك الحكم، لا يملك أن يعيش فيه، ولا يصلح له، ولا يصلحه كذلك‏!‏

ومثل هذا الحكم كل أحكام النظام الإسلامي‏.‏ وإن كنا في هذا المقام لا نفصل إلا هذا الحكم بمناسبة ذلك السياق القرآني‏.‏‏.‏

ونريد أن نفهم لماذا لا يزكي الناس أنفسهم في المجتمع المسلم، ولا يرشحون أنفسهم للوظائف، ولا يقومون لأشخاصهم بدعاية ما كي يختاروا لمجلس الشورى أو للإمامة أو للإمارة‏.‏‏.‏‏.‏

إن الناس في المجتمع المسلم لا يحتاجون لشيء من هذا لإبراز أفضليتهم وأحقيتهم‏.‏ كما أن المناصب والوظائف في هذا المجتمع تكليف ثقيل لا يغري أحداً بالتزاحم عليه اللهم إلا ابتغاء الأجر بالنهوض بالواجب وللخدمة الشاقة ابتغاء رضوان الله تعالى ومن ثم لا يسأل المناصب والوظائف إلا المتهافتون عليها لحاجة في نفوسهم‏.‏ وهؤلاء يجب أن يُمنعوها‏!‏

ولكن هذه الحقيقة لا تفهم إلا بمراجعة النشأة الطبيعية للمجتمع المسلم، وإدراك طبيعة تكوينه العضوي أيضاً‏.‏‏.‏

إن الحركة هي العنصر المكوّن لذلك المجتمع‏.‏ فالمجتمع المسلم وليد الحركة بالعقيدة الإسلامية‏.‏‏.‏

أولاً‏:‏ تجيء العقيدة من مصدرها الإلهي متمثلة في تبليغ الرسول وعمله على عهد النبوات أو متمثلة في دعوة الداعية بما جاء من عند الله وما بلغه رسوله على مدار الزمان بعد ذلك فيستجيب للدعوة ناس؛ يتعرضون للأذى والفتنة من الجاهلية الحاكمة السائدة في أرض الدعوة‏.‏

فمنهم من يفتن ويرتد، ومنهم من يصدق ما عاهد الله عليه فيقضي نحبه شهيداً ومنهم من ينتظر حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق‏.‏‏.‏

هؤلاء يفتح الله عليهم، ويجعل منهم ستاراً لقدره، ويمكن لهم في الأرض تحقيقاً لوعده بنصر من ينصره، والتمكين في الأرض له، ليقيم مملكة الله في الأرض- أي لينفذ حكم الله في الأرض- ليس له من هذا النصر والتمكين شيء؛ إنما هو نصر لدين الله، وتمكين الله في العباد‏.‏

وهؤلاء لا يقفون بهذا الدين عند حدود أرض معينة؛ ولا عند حدود جنس معين؛ ولا عند حدود قوم أو لون أو لغة أو مقوّم واحد من تلك المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة‏!‏ إنما ينطلقون بهذه العقيدة الربانية ليحرروا «الإنسان»‏.‏‏.‏ كل الإنسان‏:‏ في «الأرض»‏.‏‏.‏ كل الأرض‏.‏‏.‏ من العبودية لغير الله؛ وليرفعوه عن العبودية للطواغيت أياً كانت هذه الطواغيت‏.‏

وفي أثناء الحركة بهذا الدين وقد لاحظنا أنها لا تتوقف عند إقامة الدولة المسلمة في بقعة من الأرض، ولا تقف عند حدود أرض أو جنس أو قوم تتميز أقدار الناس، وتتحدد مقاماتهم في المجتمع، ويقوم هذا التحديد وذلك التميز على موازين وقيم إيمانية، الجميع يتعارفون عليها، من البلاء في الجهاد، والتقوى والصلاح والعبادة والأخلاق والقدرة والكفاءة‏.‏‏.‏ وكلها قيم يحكم عليها الواقع، وتبرزها الحركة، ويعرفها المجتمع ويعرف المتسمين بها‏.‏‏.‏ ومن ثم لا يحتاج أصحابها أن يزكوا أنفسهم، ولا أن يطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية‏.‏‏.‏

وفي المجتمع المسلم الذي نشأ هذه النشأة، وقام تركيبه العضوي على أساس التميز في أثناء الحركة بتلك القيم الإيمانية كما حدث في المجتمع المسلم من تميز السابقين من المهاجرين ثم الأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل ثم ظل يتميز الناس فيه بحسن البلاء في الإسلام‏.‏‏.‏ في هذا المجتمع لا يبخس الناس بعضهم بعضاً، ولا ينكر الناس فضائل المتميزين مهما غلب الضعف البشري أصحابه أحياناً فغلبتهم الأطماع وعندئذ تنتفي الحاجة من جانب آخر إلى أن يزكي المتميزون أنفسهم ويطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية‏.‏‏.‏

ولقد يخيل للناس الآن أن هذه خاصية متفردة للمجتمع المسلم الأول بسبب نشأته التاريخية‏!‏ ولكنهم ينسون أن أي مجتمع مسلم لن يوجد إلا بمثل هذه النشأة‏.‏‏.‏ لن يوجد اليوم أو غداً، إلا أن تقوم دعوة لإدخال الناس في هذا الدين من جديد، وإخراجهم من الجاهلية التي صاروا إليها‏.‏‏.‏ وهذه نقطة البدء‏.‏‏.‏ ثم تعقبها الفتنة والابتلاء كما حدث أول مرة فأما ناس فيفتنون ويرتدون‏!‏ وأما ناس فيصدقون ما عاهدوا الله عليه فيقضون نحبهم ويموتون شهداء‏.‏

وأما ناس فيصبرون ويصابرون ويصرون على الإسلام، ويكرهون أن يعودوا إلى الجاهلية كما يكره أحدهم أن يلقى في النار؛ حتى يحكم الله بينهم وبين قومهم بالحق، ويمكّن لهم في الأرض كما مكن للمسلمين أول مرة فيقوم في أرض من أرض الله نظام إسلامي‏.‏‏.‏ ويومئذ تكون الحركة من نقطة البدء إلى قيام النظام الإسلامي قد ميزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية، وفق الموازين والقيم الإيمانية‏.‏‏.‏ ويومئذ لن يحتاج إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها، لأن مجتمعهم الذي جاهد كله معهم يعرفهم ويزكيهم ويرشحهم‏!‏

ولقد يقال بعد هذا‏:‏ ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى‏.‏ فإذا استقر المجتمع بعد ذلك‏؟‏ وهذا سؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين‏!‏ إن هذا الدين يتحرك دائماً ولا يكف عن الحركة‏.‏‏.‏ يتحرك لتحرير «الإنسان»‏.‏ كل الإنسان‏.‏‏.‏ في «الأرض»‏.‏‏.‏ كل الأرض‏.‏‏.‏ من العبودية لغير الله؛ وليرفعه عن العبودية للطواغيت؛ بلا حدود من الأرض أو الجنس أو القوم أو أي مقوم من المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة‏!‏

وإذن فستظل الحركة التي هي طبيعة هذا الدين الأصيلة تميز أصحاب البلاء وأصحاب الكفايات والمواهب؛ ولا تقف أبداً ليركد هذا المجتمع ويأسن إلا أن ينحرف عن الإسلام وسيظل الحكم الفقهي الخاص بتحريم تزكية النفس وطلب العمل على أساس هذه التزكية قائماً وعاملاً في محيطه الملائم‏.‏‏.‏ ذات المحيط الذي نشأ أول مرة وعمل فيه‏.‏

ثم يقال‏:‏ ولكن المجتمع حين يتسع لا يعرف الناس بعضهم بعضاً؛ ويصبح الأكفاء الموهوبون في حاجة إلى الإعلان عن أنفسهم وتزكيتها وطلب العمل على أساس هذه التزكية‏!‏

وهذا القول كذلك وهم ناشئ من التأثر بواقع المجتمعات الجاهلية الحاضرة‏.‏‏.‏ إن المجتمع المسلم يكون أهل كل محلة فيه متعارفين متواصلين متكافلين كما هي طبيعة التربية والتكوين والتوجيه، والالتزام في المجتمع المسلم ومن ثم يكون أهل كل محلة عارفين بأصحاب الكفايات والمواهب فيهم؛ موزونة هذه الكفايات والمواهب بموازين وقيم إيمانية؛ فلا يعز عليهم أن ينتدبوا هم من بينهم أهل البلاء والتقوى والكفاية‏.‏‏.‏ سواء لمجلس الشورى أو للشؤون المحلية‏.‏ أما الإمارات العامة فيختار لها الإمام الذي اختارته الأمة بعد ترشيح أهل الحل والعقد أو أهل الشورى له‏.‏‏.‏ يختار لها من بين مجموعة الرجال المختارين الذين ميزتهم الحركة‏.‏ والحركة دائبة كما قلنا في المجتمع المسلم، والجهاد ماض إلى يوم القيامة‏.‏

إن الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته أو يكتبون يدخلون في متاهة‏!‏ ذلك أنهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدونة في فراغ‏!‏ يحاولون تطبيقها في هذا المجتمع الجاهلي القائم، بتركيبه العضوي الحاضر‏!‏ وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر بالقياس إلى طبيعة النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغاً لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام‏.‏

‏.‏ إن تركيبه العضوي مناقض تماماً للتركيب العضوي للمجتمع المسلم‏.‏ فالمجتمع المسلم- كما قلنا- يقوم تركيبه العضوي على أساس ترتيب الشخصيات والفئات كما ترتبها الحركة لإقرار هذا النظام في عالم الواقع، ولمجاهدة الجاهلية لإخراج الناس منها إلى الإسلام‏.‏ مع تحمل ضغوط الجاهلية وما توجهه من فتنة وإيذاء وحرب على هذه الحركة، والصبر على الابتلاء وحسن البلاء من نقطة البدء إلى نقطة الفصل في نهاية المطاف‏.‏ أما المجتمع الجاهلي الحاضر فهو مجتمع راكد، قائم على قيم لا علاقة لها بالإسلام، ولا بالقيم الإيمانية‏.‏‏.‏ وهو من ثم يعد بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغاً لا يعيش فيه هذا النظام ولا تقوم فيه هذه الأحكام‏!‏

هؤلاء الكاتبون الباحثون عن حل لتطبيق قواعد النظام وتشكيلاته وأحكامه الفقهية يحيرهم أول ما يحيرهم طريقة اختيار أهل الحل والعقد أو أهل الشورى من غير ترشيح من أنفسهم ولا تزكية‏!‏ كيف يمكن هذا في مثل هذه المجتمعات التي نعيش فيها والناس لا يعرف بعضهم بعضاً ولا يزنون كذلك بموازين الكفاية والنزاهة والأمانة‏!‏ كذلك تحيرهم طريقة اختيار الإمام‏؟‏ أيكون الاختيار من عامة الشعب أم يكون من ترشيح أهل الحل والعقد‏؟‏ وإذا كان الإمام سيختار أهل الحل والعقد متابعة لعدم تزكيتهم لأنفسهم أو ترشيحها فكيف يعودون هم فيختارون الإمام‏؟‏ ألا يؤثر هذا في ميزانهم‏؟‏ ثم إذا كانوا هم الذين سيعودون فيرشحون الإمام‏؟‏ ألا تكون لهم ولاية عليه وهو الإمام الأعظم‏؟‏ ثم ألا يجعله هذا يختار أشخاصاً يضمن ولاءهم له، ويكون هذا هو العنصر الأول في اعتباره‏؟‏‏.‏‏.‏‏.‏

وأسئلة أخرى كثيرة لا يجدون لها جواباً في هذه المتاهة‏!‏

أنا أعرف نقطة البدء في هذه المتاهة‏.‏‏.‏ إنها هي افتراض أن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه مجتمع مسلم؛ وأن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية سيجاء بها لتطبق على هذا المجتمع الجاهلي بتركيبه العضوي الحاضر، وبقيمه وأخلاقه الحاضرة‏!‏

هذه نقطة البدء في المتاهة‏.‏‏.‏ ومتى بدأ منها الباحث فإنه يبدأ في فراغ، ويوغل في هذا الفراغ، حتى يبعد في التيه، وحتى يأخذه الدوار‏!‏

إن هذا المجتمع الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يطبق فيه النظام الإسلامي ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام‏.‏‏.‏ لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ؛ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ، ولم تتحرك في فراغ كذلك‏!‏

إن المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي‏.‏

‏.‏ ينشأ من أشخاص ومجموعات وفئات جاهدت في وجه الجاهلية لإنشائه؛ وتحددت أقدارها وتميزت مقاماتها في ثنايا تلك الحركة‏.‏

إنه مجتمع جديد‏.‏‏.‏ ومجتمع وليد‏.‏‏.‏ ومجتمع متحرك دائماً في طريقه لتحرير «الإنسان»‏.‏‏.‏ كل الإنسان‏.‏‏.‏ في «الأرض»‏.‏‏.‏ كل الأرض‏.‏‏.‏ من العبودية لغير الله، ولرفع هذا الإنسان عن ذلة العبودية للطواغيت‏.‏‏.‏ أياً كانت هذه الطواغيت‏.‏‏.‏

ومثل قضية التزكية وطلب الإمارة، واختيار الإمام، واختيار أهل الشورى‏.‏‏.‏ وما إليها‏.‏‏.‏‏.‏ قضايا كثيرة تثار، ويطرقها الباحثون في الإسلام‏.‏‏.‏ في الفراغ‏.‏‏.‏ في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه‏.‏‏.‏ بتركيبه العضوي المختلف تماماً عن التركيب العضوي للمجتمع المسلم‏.‏‏.‏ وبقيمه وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته المختلفة تماماً عن قيم المجتمع المسلم وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته‏.‏‏.‏

أعمال البنوك وأساسها الربوي‏.‏‏.‏ شركات التأمين وقاعدتها الربوية‏.‏‏.‏ تحديد النسل وما أدري ماذا‏؟‏‏!‏ إلى آخر هذه «المشكلات» التي يشغل «الباحثون» بها أنفسهم أو يجيبون فيها عن استفتاءات توجه إليهم‏.‏‏.‏

إنهم جميعاً مع الأسف يبدأون من نقطة البدء في المتاهة‏!‏ يبدأون من افتراض أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه سيجاء بها لتطبق على هذه المجتمعات الجاهلية الحاضرة بتركيبها العضوي الحاضر؛ فتنتقل هذه المجتمعات إذن متى طبقت عليها أحكام الإسلام إلى الإسلام‏!‏

و هي تصورات مضحكة لولا أنها محزنة‏!‏

إن الفقه الإسلامي بكل أحكامه ليس هو الذي أنشأ المجتمع المسلم‏.‏ إنما المجتمع بحركته في مواجهة الجاهلية ابتداء ثم بحركته في مواجهة حاجة الحياة الحقيقية ثانياً، هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي مستمداً من أصول الشريعة الكلية‏.‏‏.‏ والعكس لا يمكن أن يكون أصلاً‏!‏

إن الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ، ولا يعيش في فراغ كذلك‏.‏‏.‏ لا ينشأ في الأدمغة والأوراق؛ إنما ينشأ في واقع الحياة‏.‏ وليست أية حياة‏.‏ إنما هي حياة المجتمع المسلم على وجه التحديد‏.‏‏.‏ ومن ثم لا بد أن يوجد المجتمع المسلم أولاً بتركيبه العضوي الطبيعي؛ فيكون هو الوسط الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي ويطبق‏.‏‏.‏ وعندئذ تختلف الأمور جداً‏.‏‏.‏

وساعتها قد يحتاج ذلك المجتمع الخاص بعد نشأته في مواجهة الجاهلية وتحركه في مواجهة الحياة إلى البنوك وشركات التأمين وتحديد النسل‏.‏‏.‏ الخ وقد لا يحتاج‏!‏ ذلك أننا لا نملك سلفاً أن نقدر أصل حاجته، ولا حجمها، ولا شكلها، حتى نشرع لها سلفاً‏!‏ كما أن ما لدينا من أحكام هذا الدين لا يطابق حاجات المجتمعات الجاهلية ولا يلبيها‏.‏‏.‏ ذلك أن هذا الدين لا يعترف ابتداء بشرعية وجود هذه المجتمعات الجاهلية ولا يرضى ببقائها‏.‏ ومن ثم فهو لا يعني نفسه بالاعتراف بحاجاتها الناشئة من جاهليتها ولا بتلبيتها كذلك‏!‏

إن المحنة الحقيقية لهؤلاء الباحثين أنهم يتصورون أن هذا الواقع الجاهلي هو الأصل، الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه‏!‏ ولكن الأمر غير ذلك تماماً‏.‏

‏.‏ إن دين الله هو الأصل الذي يجب على البشرية أن تطابق نفسها عليه؛ وأن تحور من واقعها الجاهلي وتغير حتى تتم هذه المطابقة‏.‏‏.‏ ولكن هذا التحور وهذا التغير لا يتمان عادة إلا عن طريق واحد‏.‏‏.‏ هو التحرك في وجه الجاهلية لتحقيق ألوهية الله في الأرض وربوبيته وحده للعباد، وتحرير الناس من العبودية للطاغوت، بتحكيم شريعة الله وحدها في حياتهم‏.‏‏.‏ وهذه الحركة لا بد أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء‏.‏ فيفتن من يفتن ويرتد من يرتد، ويصدق الله من يصدقه فيقضي نحبه ويستشهد، ويصبر من يصبر ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق، وحتى يمكن الله له في الأرض، وعندئذ فقط يقوم النظام الإسلامي، وقد انطبع المتحركون لتحقيقه بطابعه، وتميزوا بقيمه‏.‏‏.‏‏.‏ وعندئذ تكون لحياتهم مطالب وحاجات تختلف في طبيعتها وفي طرق تلبيتها عن حاجات المجتمعات الجاهلية ومطالبها وطرق تلبيتها‏.‏‏.‏ وعلى ضوء واقع المجتمع المسلم يومذاك تستنبط الأحكام؛ وينشأ فقه إسلامي حي متحرك لا في فراغ ولكن في وسط واقعي محدد المطالب والحاجات والمشكلات‏.‏‏.‏

ومن ذا الذي يدرينا اليوم مثلاً أن يكون الناس في مجتمع مسلم تجبى فيه الزكاة وتنفق في مصارفها، ويقوم فيه التراحم والتكافل بين أهل كل محلة، ثم بين كل أفراد الأمة، وتقوم حياة الناس فيه على غير السرف والترف والمخيلة والتكاثر‏.‏‏.‏ إلى آخر مقومات الحياة الإسلامية‏.‏‏.‏ من يدرينا أن مجتمعاً كهذا سيكون في حاجة إلى شركات تأمين أصلاً‏؟‏‏!‏ وعنده كل تلك التأمينات والضمانات مع تلك الملابسات والقيم والتصورات‏؟‏‏!‏ وإذا احتاج إلى نوع من التأمين فمن يدرينا أنه سيكون هو هذا النوع المعروف في المجتمع الجاهلي، المنبثق من حاجات هذا المجتمع الجاهلي وملابساته وقيمه وتصوراته‏؟‏‏!‏

وكذلك من يدرينا أن المجتمع المسلم المتحرك المجاهد سيكون في حاجة إلى تحديد النسل مثلاً‏؟‏‏.‏‏.‏ وهكذا‏.‏‏.‏

وإذا كنا لا نملك افتراض أصل حاجات المجتمع حين يكون مسلماً ولا حجم هذه الحاجات أو شكلها، بسبب اختلاف تركيبه العضوي عن تركيب المجتمع الجاهلي، واختلاف تصوراته ومشاعره وقيمه وموازينه‏.‏‏.‏ فما هذا الضنى في محاولة تحوير وتطوير وتغيير الأحكام المدونة لكي تطابق حاجات هي في ضمير الغيب، شأنها شأن وجود المجتمع المسلم ذاته‏!‏

إن نقطة البدء في المتاهة كما قلنا- هي افتراض أن هذه المجتمعات القائمة هي المجتمعات الإسلامية؛ وانه سيجاء بأحكام الفقه الإسلامي من الأوراق لتطبق عليها، وهي بهذا التركيب العضوي ذاته، وبالتصورات والمشاعر والقيم والموازين ذاتها‏.‏

كما أن أصل المحنة هو الشعور بأن واقع هذه المجتمعات الجاهلية وتركيبها الحاضر هو الأصل الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه‏.‏

وأن يحور ويطور ويغير في أحكامه ليلاحق حاجات هذه المجتمعات ومشكلاتها‏.‏‏.‏ حاجاتها ومشكلاتها المنبثقة أصلاً من مخالفتها للإسلام ومن خروج حياتها جملة من إطاره‏!‏

ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس دعاته، فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية، والمجتمعات الجاهلية، والحاجات الجاهلية‏.‏ وأن يقولوا للناس وللذين يستفتونهم بوجه خاص تعالوا أنتم أولاً إلى الإسلام، وأعلنوا خضوعكم سلفاً لأحكامه‏.‏‏.‏ أو بعبارة أخرى‏.‏‏.‏ تعالوا أنتم أولاً فادخلوا في دين الله، وأعلنوا عبوديتكم لله وحده، واشهدوا أن لا إله إلا الله بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به‏.‏ وهو إفراد الله بألوهيته في الأرض كإفراده بالألوهية في السماء؛ وتقرير ربوبيته أي حاكميته وسلطانه وحده في حياة الناس بجملتها‏.‏ وتنحية ربوبية العباد للعباد، بتنحية حاكمية العباد للعباد، وتشريع العباد للعباد‏.‏

وحين يستجيب الناس أو الجماعة منهم لهذا القول، فإن المجتمع المسلم يكون قد بدأ أولى خطواته في الوجود‏.‏ وهذا المجتمع يكون حينئذ هو الوسط الواقعي الحي الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي الحي وينمو، لمواجهة حاجات ذلك المجتمع المستسلم لشريعة الله فعلاً‏.‏‏.‏

فأما قبل قيام هذا المجتمع فالعمل في حقل الفقه والأحكام التنظيمية هو مجرد خداع للنفس، باستنبات البذور في الهواء، ولن ينبت الفقه الإسلامي في الفراغ، كما أنه لن تنبت البذور في الهواء‏!‏

إن العمل في الحقل «الفكري» للفقه الإسلامي عمل مريح‏!‏ لأنه لا خطر فيه‏!‏ ولكنه ليس عملاً للإسلام؛ ولا هو من منهج هذا الدين ولا من طبيعه‏!‏ وخير للذين ينشدون الراحة والسلامة أن يشتغلوا بالأدب وبالفن أو بالتجارة‏!‏ أما الاشتغال بالفقه الآن على ذلك النحو بوصفه عملاً للإسلام في هذه الفترة فأحسب والله أعلم أنه مضيعة للعمر وللأجر أيضاً‏!‏

إن دين الله يأبى أن يكون مجرد مطية ذلول، ومجرد خادم مطيع، لتلبية هذا المجتمع الجاهلي الآبق منه، المتنكر له، الشارد عنه‏.‏‏.‏ الذي يسخر منه الحين بعد الحين باستفتائه في مشكلاته وحاجاته؛ وهو غير خاضع لشريعته وسلطانه‏.‏‏.‏

إن فقه هذا الدين وأحكامه لا تنشأ في فراغ، ولا تعمل في فراغ‏.‏‏.‏ وإن المجتمع المسلم الخاضع لسلطان الله ابتداء هو الذي صنع هذا الفقه وليس الفقه هو الذي صنع ذلك المجتمع‏.‏‏.‏ ولن تنعكس الآية أبداً‏.‏

إن خطوات النشأة الإسلامية ومراحلها هي دائماً واحدة؛ والانتقال من الجاهلية إلى الإسلام لن يكون يوماً ما سهلاً ولا يسيراً‏.‏ ولن يبدأ أبداً من صياغة الأحكام الفقهية في الفراغ، لتكون معدة جاهزة يوم يقوم المجتمع الإسلامي والنظام الإسلامي‏.‏ ولن يكون وجود هذه الأحكام المفصلة على «الجاهز» والناشئة في الفراغ هي نقطة البدء في التحول من الجاهلية إلى الإسلام‏.‏

وليس الذي ينقص هذه المجتمعات الجاهلية لكي تتحول إلى الإسلام هو الأحكام الفقهية «الجاهزة»‏!‏ وليست الصعوبة في ذلك التحول ناشئة عن قصور أحكام الفقه الإسلامي الحاضرة عن ملاحقة حاجات المجتمعات المتطورة‏.‏‏.‏ إلى آخر ما يخادع به بعضهم، وينخدع به بعضهم الآخر‏!‏

كلا‏!‏ إن الذي يحول دون تحول هذه المجتمعات الجاهلية إلى النظام الإسلامي هو وجود الطواغيت التي تأبى أن تكون الحاكمية لله؛ فتأبى أن تكون الربوبية في حياة البشر والألوهية في الأرض لله وحده‏.‏ وتخرج بذلك من الإسلام خروجاً كاملاً‏.‏ يعد الحكم عليه من المعلوم من الدين بالضرورة‏.‏‏.‏ ثم هو بعد ذلك وجود جماهير من البشر تعبد أولئك الطواغيت من دون الله أي تدين لها وتخضع وتتبع فتجعلها بذلك أرباباً متفرقة معبوده مطاعة‏.‏ وتخرج هذه الجماهير بهذه العبادة من التوحيد إلى الشرك‏.‏‏.‏ فهذا هو أخص مدلولات الشرك في نظر الإسلام‏.‏‏.‏

وبهذا وذلك تقوم الجاهلية نظاماً في الأرض؛ وتعتمد على ركائز من ضلال التصور بقدر ما تعتمد على ركائز من القوة المادية‏.‏

وصياغة أحكام الفقه لا تواجه هذه الجاهلية إذن بوسائل مكافئة‏.‏ إنما الذي يواجهها دعوة إلى الدخول في الإسلام مرة أخرى؛ وحركة تواجه الجاهلية بكل ركائزها؛ ثم يكون ما يكون من شأن كل دعوة للإسلام في وجه الجاهلية‏.‏ ثم يحكم الله بين من يسلمون لله وبين قومهم بالحق‏.‏‏.‏ وعندئذ فقط يجيء دور أحكام الفقه، التي تنشأ نشأة طبيعية في هذا الوسط الواقعي الحي، وتواجه حاجات الحياة الواقعية المتجددة في هذا المجتمع الوليد، وفق حجم هذه الحاجات يومئذ وشكلها وملابساتها، وهي أمور كلها في ضمير الغيب كما أسلفنا ولا يمكن التكهن بها سلفاً، ولا يمكن الاشتغال بها من اليوم على سبيل الجد المناسب لطبيعة هذا الدين‏!‏

إن هذا لا يعني بحال أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلاً من الوجهة الشرعية‏.‏ ولكنه يعني فقط أن المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له، والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه بل الذي لا تعيش إلا به ليس قائماً الآن فعلاً‏.‏ ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقاً بقيام ذلك المجتمع‏.‏‏.‏ ويبقى الالتزام بها قائماً في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي؛ ويتعرض لما يتعرض له من يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية وطواغيتها المتألهة وجماهيرها الخاضعة للطواغيت الراضية بالشرك في الربوبية‏.‏‏.‏

إن إدراك طبيعة النشأة الإسلامية على هذا النحو الذي لا يتغير، كلما قامت الجاهلية وقامت في وجهها محاولة إسلامية‏.‏‏.‏ هو نقطة البدء في العمل الحقيقي البناء لإعادة هذا الدين إلى الوجود الفعلي، بعد أن انقطع هذا الوجود منذ أن حلت شرائع البشر محل شريعة الله في خلال القرنين الأخيرين، وخلا وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام؛ وإن بقيت المآذن والمساجد، والأدعية والشعائر؛ تخدر مشاعر الباقين على الولاء العاطفي الغامض لهذا الدين؛ وتوهمهم أنه لا يزال بخير؛ وهو يمحى من الوجود محواً‏!‏

إن المجتمع المسلم وجد قبل أن توجد الشعائر، وقبل أن توجد المساجد‏.‏

‏.‏ وجد من يوم أن قيل للناس‏:‏ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فعبدوه‏.‏ ولم تكن عبادتهم له ممثلة في الشعائر، فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت‏.‏ إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة له وحده من ناحية المبدأ فلم تكن بعد قد نزّلت شرائع‏!‏ وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطان مادي في الأرض تنزلت الشرائع؛ وحين واجهوا الحاجات الحقيقية لحياتهم هم استنبطت بقية أحكام الفقه، إلى جانب ما ورد بنصه في الكتاب والسنة‏.‏‏.‏

وهذا هو الطريق وحده؛ وليس هنالك طريق آخر‏.‏‏.‏

وليت هنالك طريقاً سهلاً عن طريق تحول الجماهير بجملتها إلى الإسلام منذ أول وهلة في الدعوة باللسان، وببيان أحكام الإسلام‏!‏ ولكن هذه إنما هي «الأمانيّ»‏!‏ فالجماهير لا تتحول أبداً من الجاهلية وعبادة الطواغيت، إلى الإسلام وعبادة الله وحده إلا عن ذلك الطريق الطويل البطيء الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة‏.‏‏.‏ والذي يبدؤه فرد، ثم تتبعه طليعة، ثم تتحرك هذه الطليعة في وجه الجاهلية لتعاني ما تعاني حتى يحكم الله بينها وبين قومها بالحق ويمكّن لها في الأرض‏.‏‏.‏ ثم‏.‏‏.‏ يدخل الناس في دين الله أفواجاً‏.‏‏.‏ ودين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي لا يرضى من الناس ديناً غيره ‏{‏ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه‏}‏ ولعل هذا البيان أن يكشف لنا عن حقيقة الحكم في موقف يوسف عليه السلام‏.‏

إنه لم يكن يعيش في مجتمع مسلم تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس عند الناس وطلب الإمارة على أساس هذه التزكية‏.‏ كما أنه كان يرى أن الظروف تمكن له من أن يكون حاكماً مطاعاً لا خادماً في وضع جاهلي‏.‏ وكان الأمر كما توقع فتمكن بسيطرته من الدعوة لدينه ونشره في مصر في أيام حكمه‏.‏ وقد توارى العزيز وتوارى الملك تماماً‏.‏‏.‏

ثم نعود بعد هذا الاستطراد إلى صلب القصة وإلى صلب السياق‏.‏ إن السياق لا يثبت أن الملك وافق‏.‏ فكأنما يقول‏:‏ إن الطلب تضمن الموافقة‏!‏ زيادة في تكريم يوسف، وإظهار مكانته عند الملك‏.‏ فيكفي أن يقول ليجاب، بل ليكون قوله هو الجواب‏.‏‏.‏ ومن ثم يحذف رد الملك، ويدع القارئ يفهم أنه أصبح في المكان الذي طلبه‏.‏

ويؤيد هذا الذي نقوله تعقيب السياق‏:‏

‏{‏وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء‏.‏

ولا نضيع أجر المحسنين‏.‏‏.‏ ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون‏}‏‏.‏‏.‏

فعلى هذا النحو من إظهار براءة يوسف، ومن إعجاب الملك به، ومن الاستجابة له فيما طلب‏.‏‏.‏ على هذا النحو مكنا ليوسف في الأرض، وثبتنا قدميه، وجعلنا له فيها مكاناً ملحوظاً‏.‏ والأرض هي مصر‏.‏ أو هي هذه الأرض كلها باعتبار أن مصر يومذاك أعظم ممالكها‏.‏

‏{‏يتبوأ منها حيث يشاء‏}‏‏.‏‏.‏

ينخذ منها المنزل الذي يريد، والمكان الذي يريد، والمكانة التي يريد‏.‏ في مقابل الجب وما فيه من مخاوف، والسجن وما فيه من قيود‏.‏

‏{‏نصيب برحمتنا من نشاء‏}‏‏.‏‏.‏

فنبدله من العسر يسراً، ومن الضيق فرجاً‏.‏ ومن الخوف أمناً، ومن القيد حرية، ومن الهوان على الناس عزاً ومقاماً علياً‏.‏

‏{‏ولا نضيع أجر المحسنين‏}‏‏.‏‏.‏

الذين يحسنون الإيمان بالله، والتوكل عليه، والاتجاه إليه، ويحسنون السلوك والعمل والتصرف مع الناس‏.‏‏.‏ هذا في الدنيا‏.‏‏.‏

‏{‏ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون‏}‏‏.‏‏.‏

فلا ينقص منه المتاع في الدنيا وإن كان خيراً من متاع الدنيا، متى آمن الإنسان واتقى‏.‏ فاطمأن بإيمانه إلى ربه، وراقبه بتقواه في سره وجهره‏.‏

وهكذا عوض الله يوسف عن المحنة، تلك المكانة في الأرض، وهذه البشرى في الآخرة جزاء وفاقاً على الإيمان والصبر والإحسان‏.‏

ودارت عجلة الزمن‏.‏ وطوى السياق دوراتها بما كان فيها طوال سنوات الرخاء‏.‏ فلم يذكر كيف كان الخصب، وكيف زرع الناس‏.‏ وكيف أدار يوسف جهاز الدولة‏.‏ وكيف نظم ودبر وادخر‏.‏ كأن هذه كلها أمور مقررة بقوله‏:‏

‏{‏إني حفيظ عليم‏}‏‏.‏‏.‏

وكذلك لم يذكر مقدم سني الجدب، وكيف تلقاها الناس، وكيف ضاعت الأرزاق‏.‏‏.‏ لأن هذا كله ملحوظ في رؤيا الملك وتأويلها‏:‏

‏{‏ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون‏}‏‏.‏‏.‏

كذلك لم يبرز السياق الملك ولا أحداً من رجاله بعد ذلك في السورة كلها‏.‏ كأن الأمر كله قد صار ليوسف‏.‏ الذي اضطلع بالعبء في الأزمة الخانقة الرهيبة‏.‏ وأبرز يوسف وحده على مسرح الحوادث، وسلط عليه كل الأضواء‏.‏ وهذه حقيقة واقعية استخدمها السياق استخداماً فنياً كاملاً في الأداء‏.‏

أما فعل الجدب فقد أبرزه السياق في مشهد إخوة يوسف، يجيئون من البدو من أرض كنعان البعيدة يبحثون عن الطعام في مصر‏.‏ ومن ذلك ندرك اتساع دائرة المجاعة، كما ندرك كيف وقفت مصر بتدبير يوسف منها، وكيف صارت محط أنظار جيرانها ومخزن الطعام في المنطقة كلها‏.‏ وفي الوقت ذاته تمضي قصة يوسف في مجراها الأكبر بين يوسف وإخوته وهي سمة فنية تحقق هدفاً دينياً في السياق‏:‏

‏{‏وجاء إخوة يوسف، فدخلوا عليه، فعرفهم وهم له منكرون‏.‏ ولما جهزهم بجهازهم قال‏:‏ ائتوني بأخ لكم من أبيكم‏.‏

ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين‏؟‏ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون‏.‏ قالوا‏:‏ سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون‏.‏ وقال لفتيانه‏:‏ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم، لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون‏}‏‏.‏‏.‏

لقد اجتاح الجدب والمجاعة أرض كنعان وما حولها‏.‏ فاتجه إخوة يوسف فيمن يتجهون إلى مصر‏.‏ وقد تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ السنوات السمان‏.‏ وها نحن أولاء نشهدهم يدخلون على يوسف، وهم لا يعلمون‏.‏ إنه يعرفهم فهم هم لم يتغيروا كثيراً‏.‏ أما يوسف فإن خيالهم لا يتصور قط أنه هو ذاك‏!‏ وأين الغلام العبراني الصغير الذي ألقوه في الجب منذ عشرين عاماً أو تزيد من عزيز مصر شبه المتوج في سنه وزيه وحرسه ومهابته وخدمه وحشمه وهيله وهيلمانه‏؟‏

ولم يكشف لهم يوسف عن نفسه‏.‏ فلا بد من دروس يتلقونها‏:‏

‏{‏فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون‏}‏‏.‏‏.‏

ولكنا ندرك من السياق أنه أنزلهم منزلاً طيباً، ثم أخذ في إعداد الدرس الأول‏:‏

‏{‏ولما جهزهم بجهازهم قال‏:‏ ائتوني بأخ لكم من أبيكم‏}‏‏.‏‏.‏

فنفهم من هذا أنه تركهم يأنسون إليه، واستدرجهم حتى ذكروا له من هم على وجه التفصيل، وأن لهم أخاً أصغر من أبيهم لم يحضر معهم لأن أباه يحبه ولا يطيق فراقه‏.‏ فلما جهزهم بحاجات الرحلة قال لهم‏:‏ إنه يريد أن يرى أخاهم هذا‏.‏

‏{‏قال‏:‏ ائتوني بأخ لكم من أبيكم‏}‏‏.‏‏.‏

وقد رأيتم أنني أوفي الكيل للمشترين‏.‏ فسأوفيكم نصيبكم حين يجيء معكم؛ ورأيتم أنني أكرم النزلاء فلا خوف عليه بل سيلقى مني الإكرام المعهود‏:‏

‏{‏ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

ولما كانوا يعلمون كيف يضن أبوهم بأخيهم الأصغر وبخاصة بعد ذهاب يوسف فقد أظهروا أن الأمر ليس ميسوراً، وإنما في طريقه عقبات من ممانعة أبيهم، وأنهم سيحاولون إقناعه، مع توكيد عزمهم على الرغم من هذه العقبات على إحضاره معهم حين يعودون‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون‏}‏‏.‏‏.‏

ولفظ ‏{‏نراود‏}‏ يصور الجهد الذي يعلمون أنهم باذلوه‏.‏‏.‏

أما يوسف فقد أمر غلمانه أن يدسوا البضاعة التي حضر بها إخوته ليستبدلوا بها القمح والعلف‏.‏ وقد تكون خليطاً من نقد ومن غلات صحراوية أخرى من غلات الشجر الصحراوي، ومن الجلود والشعر وسواها مما كان يستخدم في التبادل في الأسواق‏.‏‏.‏ أمر غلمانه بدسها في رحالهم والرحل متاع المسافر لعلهم يعرفون حين يرجعون أنها بضاعتهم التي جاءوا بها‏:‏

‏{‏وقال لفتيانه‏:‏ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون‏}‏‏.‏‏.‏

وندع يوسف في مصر‏.‏ لنشهد يعقوب وبنيه في أرض كنعان‏.‏ دون كلمة واحدة عن الطريق وما فيه‏:‏

‏{‏فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا‏:‏ يا أبانا منع منا الكيل، فأرسل معنا أخانا نكتل، وإنّا له لحافظون‏.‏

قال‏:‏ هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل‏؟‏ فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين‏.‏ ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، قالوا‏:‏ يا أبانا ما نبغي‏.‏ هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونمير أهلنا، ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير‏.‏ ذلك كيل يسير‏.‏ قال‏:‏ لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله‏:‏ لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال‏:‏ الله على ما نقول وكيل‏}‏‏.‏‏.‏

ويبدو أنهم في دخلتهم على أبيهم، وقبل أن يفكوا متاعهم، عاجلوه بأن الكيل قد تقرر منعه عنهم ما لم يأتوا عزيز مصر بأخيهم الصغير معهم‏.‏ فهم يطلبون إليه أن يرسل معهم أخاهم الصغير ليكتالوا له ولهم‏.‏ وهم يعدون بحفظه‏:‏

‏{‏فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا‏:‏ يا أبانا منع منا الكيل، فأرسل معنا أخانا نكتل، وإنّا له لحافظون‏}‏‏.‏‏.‏

ولا بد أن هذا الوعد قد أثار كوامن يعقوب‏.‏ فهو ذاته وعدهم له في يوسف‏!‏ فإذا هو يجهر بما أثاره الوعد من شجونه‏:‏

‏{‏قال‏:‏ هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

فخلوني من وعودكم وخلوني من حفظكم، فإذا أنا طلبت الحفظ لولدي والرحمة بي‏.‏‏.‏

‏{‏فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين‏}‏ ‏!‏

وبعد الاستقرار من المشوار، والراحة من السفر فتحوا أوعيتهم ليخرجوا ما فيها من غلال فإذا هم يجدون فيها بضاعتهم التي ذهبوا يشترون بها، ولم يجدوا في رحالهم غلالاً‏!‏

إن يوسف لم يعطهم قمحاً، إنما وضع لهم بضاعتهم في رحالهم‏.‏ فلما عادوا قالوا‏:‏ يا أبانا منع منا الكيل، وفتحوا رحالهم فوجدوا بضاعتهم‏.‏ وكان ذلك ليضطرهم إلى العودة بأخيهم، وكان هذا بعض الدرس الذي عليهم أن يأخذوه‏.‏

على أية حال لقد اتحذوا من رد بضاعتهم إليهم دليلاً على أنهم غير باغين فيما يطلبون من استصحاب أخيهم ولا ظالمين‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ يا أبانا ما نبغي‏.‏ هذه بضاعتنا ردت إلينا‏}‏‏.‏‏.‏

ثم أخذوا يحرجونه بالتلويح له بمصلحة أهلهم الحيوية في الحصول على الطعام‏:‏

‏{‏ونمير أهلنا‏}‏‏.‏‏.‏

والميرة الزاد، ويؤكدون له عزمهم على حفظ أخيهم‏.‏‏.‏

‏{‏ونحفظ أخانا‏}‏‏.‏‏.‏

ويرغبونه بزيادة الكيل لأخيهم‏:‏

‏{‏ونزداد كيل بعير‏}‏‏.‏‏.‏

وهو ميسور لهم حين يرافقهم‏:‏

‏{‏ذلك كيل يسير‏}‏‏.‏‏.‏

ويبدو من قولهم‏:‏ ‏{‏نزداد كيل بعير‏}‏ أن يوسف عليه السلام كان يعطي كل واحد وسق بعير وهو قدر معروف ولم يكن يبيع كل مشتر ما يريد‏.‏ وكان ذلك من الحكمة في سنوات الجدب، كي يظل هناك قوت للجميع‏:‏

واستسلم الرجل على كره؛ ولكنه جعل لتسليم ابنه الباقي شرطاً‏:‏

‏{‏قال‏:‏ لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله‏:‏ لتأتنني به إلا أن يحاط بكم‏}‏‏.‏‏.‏

أي لتقسمن لي بالله قسماً يربطكم، أن تردوا عليّ ولدي، إلا إذا غلبتم على أمركم غلباً لا حيلة لكم فيه، ولا تجدي مدافعتكم عنه‏:‏

‏{‏إلا أن يحاط بكم‏}‏‏.‏

وهو كناية عن أخذ المسالك كلها عليهم‏.‏ فأقسموا‏:‏

‏{‏فما آتوه موثقهم قال‏:‏ الله على ما نقول وكيل‏}‏‏.‏‏.‏

زيادة في التوكيد والتذكير‏.‏

وبعد هذا الموثق جعل الرجل يوصيهم بما خطر له في رحلتهم القادمة ومعهم الصغير العزيز‏:‏

‏{‏وقال‏:‏ يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة‏.‏ وما أغني عنكم من الله من شيء‏.‏ إن الحكم إلا لله، عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏

ونقف هنا أمام قول يعقوب عليه السلام‏:‏

‏{‏إن الحكم إلا لله‏}‏‏.‏‏.‏

وواضح من سياق القول أنه يعني هنا حكم الله القدري القهري الذي لا مفر منه ولا فكاك‏.‏ وقضاءه الإلهي الذي يجري به قدره فلا يملك الناس فيه لأنفسهم شيئاً‏.‏

وهذا هو الإيمان بالقدر خيره وشره‏.‏

وحكم الله القدري يمضي في الناس على غير إرادة منهم ولا اختيار‏.‏‏.‏ وإلى جانبه حكم الله الذي ينفذه الناس عن رضى منهم واختيار‏.‏ وهو الحكم الشرعي المتمثل في الأوامر والنواهي‏.‏‏.‏ وهذا كذلك لا يكون إلا لله‏.‏ شأنه شأن حكمه القدري، باختلاف واحد‏:‏ هو أن الناس ينفذونه مختارين أو لا ينفذونه‏.‏ فيترتب على هذا او ذاك نتائجه وعواقبه في حياتهم في الدنيا وفي جزائهم في الآخرة‏.‏ ولكن الناس لا يكونون مسلمين حتى يختاروا حكم الله هذا وينفذوه فعلاً راضين‏.‏‏.‏

وسار الركب، ونفذوا وصية أبيهم‏:‏

‏{‏ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم، ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

فيم كانت هذه الوصية‏؟‏ لم قال لهم أبوهم‏:‏ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة‏؟‏

تضرب الروايات والتفاسير في هذا وتبدى وتعيد، بلا ضرورة، بل ضد ما يقتضيه السياق القرآني الحكيم‏.‏ فلو كان السياق يحب أن يكشف عن السبب لقال‏.‏ ولكنه قال فقط إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها فينبغي أن يقف المفسرون عند ما أراده السياق، احتفاظاً بالجو الذي أراده‏.‏ والجو يوحي بأنه كان يخشى شيئاً عليهم، ويرى في دخولهم من أبواب متفرقة اتقاء لهذا الشيء مع تسليمه بأنه لا يغني عنهم من الله من شيء‏.‏ فالحكم كله إليه، والاعتماد كله عليه‏.‏ إنما هو خاطر شعر به، وحاجة في نفسه قضاها بالوصية، وهو على علم بأن إرادة الله نافذة‏.‏ فقد علمه الله هذا فتعلم‏.‏

‏{‏ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

ثم ليكن هذا الشيء الذي كان يخشاه هو العين الحاسدة، أو هي غيرة الملك من كثرتهم وفتوتهم‏.‏ أو هو تتبع قطاع الطريق لهم‏.‏ أو كائناً ما كان فهو لا يزيد شيئاً في الموضوع‏.‏

سوى أن يجد الرواة والمفسرون باباً للخروج عن الجو القرآني المؤثر إلى قال وقيل، مما يذهب بالجو القرآني كله في كثرة الأحايين‏!‏

فلنطو نحن الوصية والرحلة كما طواها السياق، لنلتقي بإخوة يوسف في المشهد التالي بعد الوصول‏:‏

‏{‏ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه‏.‏ قال‏:‏ إني أنا أخوك، فلا تبتئس بما كانوا يعملون‏}‏‏.‏‏.‏

ونجد السياق هنا يعجل بضم يوسف لأخيه في المأوى، وإطلاعه على أنه أخوه؛ ودعوته لأن يترك من خاطره ذكرى ما فعله إخوته به من قبل، وهي ذكرى لا بد كان يبتئس لها الصغير كلما علمها من البيت الذي كان يعيش فيه‏.‏ فما كان يمكن أن تكون مكتومة عنه في وسطه في أرض كنعان‏.‏

يعجل السياق بهذا، بينما الطبيعي والمفهوم أن هذا لم يحدث فور دخولهم على يوسف‏.‏ ولكن بعد أن اختلى يوسف بأخيه‏.‏ ولكن هذا ولا شك كان أول خاطر ساور يوسف عند دخولهم عليه، وعند رؤيته لأخيه، بعد الفراق الطويل‏.‏

ومن ثم جعله السياق أول عمل لأنه كان أول خاطر‏.‏ وهذه من دقائق التعبير في هذا الكتاب العجيب‏!‏

ويطوي السياق كذلك فترة الضيافة، وما دار فيها بين يوسف وإخوته، ليعرض مشهد الرحيل الأخير‏.‏ فنطلع على تدبير يوسف ليحتفظ بأخيه، ريثما يتلقى إخوته درساً أو دروساً ضروريةً لهم، وضرورية للناس في كل زمان ومكان‏:‏

‏{‏فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه، ثم أذن مؤذن‏:‏ أيتها العير إنكم لسارقون‏.‏ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون‏؟‏ قالوا‏:‏ نفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم‏.‏ قالوا‏:‏ تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض، وما كنا سارقين‏.‏ قالوا‏:‏ فما جزاؤه إن كنتم كاذبين‏؟‏ قالوا‏:‏ جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، كذلك نجزي الظالمين‏.‏ فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك، إلا أن يشاء الله، نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم قالوا‏:‏ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل‏.‏ فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم‏.‏ قال‏:‏ أنتم شر مكاناً‏.‏ والله أعلم بما تصفون‏.‏ قالوا‏:‏ يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا، فخذ أحدنا مكانه، إنا نراك من المحسنين‏.‏ قال‏:‏ معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده‏.‏ إنا إذاً لظالمون‏}‏‏.‏‏.‏

وهو مشهد مثير، حافل بالحركات والانفعالات والمفاجآت، كأشد ما تكون المشاهد حيوية وحركة وانفعالاً، غير أن هذا صورة من الواقع يعرضها التعبير القرآني هذا العرض الحي الأخاذ‏.‏

فمن وراء الستار يدس يوسف كأس الملك وهي عادة من الذهب وقيل‏:‏ إنها كانت تستخدم للشراب، ويستخدم قعرها الداخل المجوف من الناحية الأخرى في كيل القمح، لندرته وعزته في تلك المجاعة‏.‏

يدسها في الرحل المخصص لأخيه، تنفيذاً لتدبير خاص ألهمه الله له وسنعلمه بعد قليل‏.‏

ثم ينادي مناد بصوت مرتفع، في صيغة إعلان عام، وهم منصرفون‏:‏

‏{‏أيتها العير إنكم لسارقون‏}‏‏.‏‏.‏

ويرتاع إخوة يوسف لهذا النداء الذي يتهمهم بالسرقة وهم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فيعودون أدراجهم يتبينون الأمر المريب‏:‏

‏{‏قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون‏؟‏‏}‏‏.‏

قال الغلمان الذين يتولون تجهيز الرحال، أو الحراس ومنهم هذا الذي أذاع بالإعلان‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ نفقد صواع الملك‏}‏‏.‏‏.‏

وأعلن المؤذن أن هناك مكافأة لمن يحضره متطوعاً‏.‏ وهي مكأفاة ثمينة في هذه الظروف‏:‏

‏{‏ولمن جاء به حمل بعير‏}‏ من القمح العزيز ‏{‏وأنا به زعيم‏}‏‏.‏‏.‏ أي كفيل‏.‏

ولكن القوم مستيقنون من براءتهم، فهم لم يسرقوا، وما جاءوا ليسرقوا وليجترحوا هذا الفساد الذي يخلخل الثقة والعلاقات في المجتمعات، فهم يقسمون واثقين‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض‏}‏‏.‏‏.‏

فقد علمتم من حالنا ومظهرنا ونسبنا أننا لا نجترح هذا‏.‏‏.‏

‏{‏وما كنا سارقين‏}‏‏.‏‏.‏ أصلاً فما يقع منا مثل هذا الفعل الشنيع‏.‏

قال الغلمان أو الحراس‏:‏

‏{‏فما جزاؤه إن كنتم كاذبين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وهنا ينكشف طرف التدبير الذي ألهمه الله يوسف‏.‏ فقد كان المتبع في دين يعقوب‏:‏ أن يؤخذ السارق رهينة أو أسيراً أو رقيقاً في مقابل ما يسرق‏.‏ ولما كان إخوة يوسف موقنين بالبراءة، فقد ارتضوا تحكيم شريعتهم فيمن يظهر أنه سارق‏.‏ ذلك ليتم تدبير الله ليوسف وأخيه‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه‏.‏ كذلك نجزي الظالمين‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه هي شريعتنا نحكمها في السارق‏.‏ والسارق من الظالمين‏.‏

كل هذا الحوار كان على منظر ومسمع من يوسف‏.‏ فأمر بالتفتيش‏.‏ وأرشدته حصافته إلى أن يبدأ برحالهم قبل رحل أخيه، كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش‏:‏

‏{‏فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه‏.‏ ثم استخرجها من وعاء أخيه‏}‏‏.‏‏.‏

ويدعنا السياق نتصور الدهشة بالمفاجأة العنيفة لأبناء يعقوب الموقنين ببراءتهم، الحالفين، المتحدين‏.‏‏.‏ فلا يذكر شيئاً عن هذا، بل يتركه يتملاه الخيال على الصورة التي تكمل رسم المشهد بانفعالاته‏.‏‏.‏ بينما يأخذ في التعقيب ببعض مرامي القصة، ريثما يفيق النظارة وأبناء يعقوب مما هم فيه‏:‏

‏{‏كذلك كدنا ليوسف‏}‏‏.‏‏.‏

أي كذلك دبرنا له هذا التدبير الدقيق‏.‏

‏{‏ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك‏}‏‏.‏‏.‏

فلو حكّم شريعة الملك ما تمكن من أخذ أخيه، إنما كان يعاقب السارق على سرقته، دون أن يستولي على أخيه كما استولى عليه بتحكيم إخوته لدينهم هم‏.‏ وهذا هو تدبير الله الذي ألهم يوسف أسبابه‏.‏ وهو كيد الله له‏.‏ والكيد يطلق على التدبير في الخفاء للخير أو للشر سواء‏.‏ وإن كان الشر قد غلب عليه‏.‏ وظاهر الأمر هنا أنه شر يحل بأخيه وهو شر يحل بإخوته لأحراجهم أمام أبيه‏.‏

وهو سوء ولو مؤقتاً لأبيه‏.‏ فلهذا اختار تسميته كيداً على إجمال اللفظ وبالإلماع إلى ظاهره‏.‏ وهو من دقائق التعبير‏.‏

‏{‏ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏إلا أن يشاء الله‏}‏‏.‏‏.‏

فيدبر مثل هذا التدبير الذي رأيناه‏.‏

ويتضمن التعقيب الإشارة إلى ما ناله يوسف من رفعة‏:‏

‏{‏نرفع درجات من نشاء‏}‏‏.‏‏.‏

وإلى ما ناله من علم، مع التنبيه إلى أن علم الله هو الأعلى‏:‏

‏{‏وفوق كل ذي علم عليم‏}‏‏.‏‏.‏

وهو احتراس لطيف دقيق‏.‏

ولا بد أن نقف أمام التعبير القرآني الدقيق العميق‏:‏

‏{‏كذلك كدنا ليوسف‏.‏‏.‏ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏‏.‏

إن هذا النص يحدد مدلول كلمة «الدين» في هذا الموضع تحديداً دقيقاً‏.‏‏.‏ إنه يعني‏:‏ نظام الملك وشرعة‏.‏‏.‏ فإن نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته‏.‏ إنما هذا كان نظام يعقوب وشريعة دينه‏.‏ وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعتهم؛ فطبقها يوسف عليهم عندما وجد صواع الملك في رحل أخيه‏.‏‏.‏ وعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها «الدين»‏.‏‏.‏

هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعاً‏.‏ سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهلين‏!‏

إنهم يقصرون مدلول «الدين» على الاعتقاد والشعائر‏.‏‏.‏ ويعدون كل من يعتقد في وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ ويؤدي الشعائر المكتوبة‏.‏‏.‏ داخلاً في «دين الله» مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع وإقراره بالحاكمية لغير الله من الأرباب المتفرقة في الأرض‏.‏‏.‏ بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول ‏{‏دين الملك‏}‏ بأنه نظام الملك وشريعته‏.‏ وكذلك «دين الله» فهو نظامه وشريعته‏.‏‏.‏

إن مدلول «دين الله» قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر‏.‏‏.‏ ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين‏.‏

لقد كان يعني دائماً‏:‏ الدينونة لله وحده؛ بالتزام ما شرعه، ورفض ما يشرعه غيره‏.‏ وإفراده سبحانه بالألوهية في الأرض مثل إفراده بالألوهية في السماء؛ وتقرير ربوبيته وحده للناس‏:‏ أي حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره‏.‏ وكان مفرق الطريق دائماً بين من هم في دين «الله» ومن هم في ‏{‏دين الملك‏}‏ أن الأولين يدينون لنظام الله وشرعه وحده، وأن الآخرين يدينون لنظام الملك وشرعه‏.‏ أو يشركون فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر، ويدينون لغير الله في النظام والشرائع‏!‏

وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية تماماً‏.‏

وبعض المترفقين بالناس اليوم يتلمسون لهم عذراً في أنهم يجهلون مدلول كلمة «دين الله» وهم من ثم لا يصرون ولا يحاولون تحكيم شريعة الله وحدها بوصفها هي «الدين»‏.‏ وأن جهلهم هذا بمدلول الدين يعفيهم من أن يكونوا جاهليين مشركين‏!‏

وأنا لا أتصور كيف أن جهل الناس ابتداء بحقيقة هذا الدين يجعلهم في دائرة هذا الدين‏!‏

إن الاعتقاد بحقيقة فرع عن معرفتها‏.‏ فإذا جهل الناس حقيقة عقيدة فكيف يكونون معتنقين لها‏؟‏ وكيف يحسبون من أهلها وهم لا يعرفون ابتداء مدلولها‏؟‏

إن هذا الجهل قد يعفيهم من حساب الآخرة، أو يخفف عنهم العذاب فيها؛ ويلقي بتبعاتهم وأوزارهم على كاهل من لا يعلمونهم حقيقة هذا الدين وهم يعرفونها‏.‏‏.‏ ولكن هذه مسألة غيبية متروك أمرها لله، والجدل في الجزاء الأخروي لأهل الجاهلية عامة ليس وراءه كبير طائل‏.‏ وليس هو الذي يعنينا نحن البشر الذين ندعو إلى الإسلام في الأرض‏!‏

إن الذي يعنينا هو تقرير حقيقة الدين الذي فيه الناس اليوم‏.‏‏.‏ أنه ليس دين الله قطعاً‏.‏ فدين الله هو نظامه وشرعه وفق النصوص القرآنية الصريحة‏.‏ فمن كان في نظام الله وشرعه فهو في «دين لله»‏.‏ ومن كان في نظام الملك وشرعه فهو في «دين الملك»‏.‏ ولا جدال في هذا‏.‏

والذين يجهلون مدلول الدين لا يمكن أن يكونوا معتقدين بهذا الدين‏.‏ لأن الجهل هنا وارد على أصل حقيقة الدين الأساسية‏.‏ والجاهل بحقيقة هذا الدين الأساسية لا يمكن عقلاً وواقعاً أن يكون معتقداً به‏.‏ إذ الاعتقاد فرع عن الإدراك والمعرفة‏.‏‏.‏ وهذه بديهية‏.‏‏.‏

وخير لنا من أن ندافع عن الناس وهم في غير دين الله ونتلمس لهم المعاذير، ونحاول أن نكون أرحم بهم من الله الذي يقرر مدلول دينه وحدوده‏!‏‏.‏‏.‏

خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول «دين الله» ليدخلوا فيه‏.‏‏.‏ أو يرفضوه‏.‏‏.‏

هذا خير لنا وللناس أيضاً‏.‏‏.‏ خير لنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا الدين، الذين ينشأ عن جهلهم به عدم اعتناقه في الحقيقة‏.‏‏.‏ وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ما هم عليه وأنهم في دين الملك لا في دين الله قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام، ومن دين الملك إلى دين الله‏!‏

كذلك فعل الرسل عليهم صلوات الله وسلامه وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى الله في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان‏.‏‏.‏

ثم نعود إلى إخوة يوسف بعد هذا التعقيب القصير‏.‏ نعود إليهم وقد حرك الحرج الذي يلاقونه كوامن حقدهم على أخي يوسف، وعلى يوسف من قبله، فإذا هم يتنصلون من نقيصة السرقة، وينفونها عنهم، ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل‏}‏ ‏!‏

إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل‏.‏

‏.‏ وتنطلق الروايات والتفاسير تبحث عن مصداق قولهم هذا في تعلات وحكايات وأساطير‏.‏ كأنهم لم يكذبوا قبل ذلك على أبيهم في يوسف؛ وكأنهم لا يمكن أن يكذبوا على عزيز مصر دفعاً للتهمة التي تحرجهم، وتبرؤاً من يوسف وأخيه السارق، وإرواء لحقدهم القديم على يوسف وأخيه‏!‏

لقد قذفوا بها يوسف وأخاه‏!‏

‏{‏فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم‏}‏‏.‏‏.‏

أسر هذه الفعلة وحفظها في نفسه، ولم يبد تأثره منها‏.‏ وهو يعلم براءته وبراءة أخيه‏.‏ إنما قال لهم‏:‏

‏{‏أنتم شر مكاناً‏}‏‏.‏‏.‏

يعني أنكم بهذا القذف شر مكاناً عند الله من المقذوف وهي حقيقة لا شتمة‏.‏

‏{‏والله أعلم بما تصفون‏}‏‏.‏‏.‏ وبحقيقة ما تقولون‏.‏ وأراد بذلك قطع الجدل في الاتهام الذي أطلقوه، ولا دخل له بالموضوع‏!‏‏.‏‏.‏

وعندئذ عادوا إلى الموقف المحرج الذي وقعوا فيه‏.‏ عادوا إلى الموثق الذي أخذه عليهم أبوهم‏:‏ ‏{‏لتأتنني به إلا أن يحاط بكم‏}‏‏.‏‏.‏ فراحوا يسترحمون يوسف باسم والد الفتى، الشيخ الكبير، ويعرضون أن يأخذ بدله واحداً منهم إن لم يكن مطلقه لخاطر أبيه؛ ويستعينون في رجائه بتذكيره بإحسانه وصلاحه وبره لعله يلين‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً، فخذ أحدنا مكانه، إنا نراك من المحسنين‏}‏‏:‏

ولكن يوسف كان يريد أن يلقي عليهم درساً‏.‏ وكان يريد أن يشوقهم إلى المفاجأة التي يعدها لهم ولوالده وللجميع‏!‏ ليكون وقعها أعمق وأشد أثراً في النفوس‏:‏

‏{‏قال‏:‏ معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده‏.‏ إنا إذاً لظالمون‏}‏‏.‏‏.‏

ولم يقل معاذ الله أن نأخذ بريئاً بجريرة سارق‏.‏ لأنه كان يعلم أن أخاه ليس بسارق‏.‏ فعبر أدق تعبير يحكيه السياق هنا باللغة العربية بدقة‏:‏

‏{‏معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده‏}‏ وهي الحقيقة الواقعة دون زيادة في اللفظ تحقق الاتهام أو تنفيه‏.‏‏.‏

‏{‏إنا إذاً لظالمون‏}‏‏.‏‏.‏

وما نريد أن نكون ظالمين‏.‏‏.‏

وكانت هي الكلمة الأخيرة في الموقف‏.‏ وعرفوا أن لا جدوى بعدها من الرجاء، فانسحبوا يفكرون في موقفهم المحرج، أمام أبيهم حين يرجعون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 101‏]‏

‏{‏فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ‏(‏80‏)‏ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ‏(‏81‏)‏ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏(‏82‏)‏ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ‏(‏83‏)‏ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ‏(‏84‏)‏ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ‏(‏85‏)‏ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏86‏)‏ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ‏(‏87‏)‏ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ‏(‏88‏)‏ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ‏(‏89‏)‏ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏90‏)‏ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ‏(‏91‏)‏ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏92‏)‏ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏93‏)‏ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ‏(‏94‏)‏ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ‏(‏95‏)‏ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏96‏)‏ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ‏(‏97‏)‏ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏(‏98‏)‏ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ ‏(‏99‏)‏ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ‏(‏100‏)‏ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ‏(‏101‏)‏‏}‏

يئس إخوة يوسف من محاولة تخليص أخيهم الصغير، فانصرفوا من عنده، وعقدوا مجلساً يتشاورون فيه‏.‏ وهم هنا في هذا المشهد يتناجون‏.‏ والسياق لا يذكر أقوالهم جميعاً‏.‏ إنما يثبت آخرها الذي يكشف عما انتهوا إليه‏:‏

‏{‏فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً‏.‏ قال كبيرهم‏:‏ ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف‏؟‏ فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي، أو يحكم الله لي، وهو خير الحاكمين‏.‏ ارجعوا إلى أبيكم فقولوا‏:‏ يا أبانا إن ابنك سرق، وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للغيب حافظين‏.‏ واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون‏}‏‏.‏‏.‏

إن كبيرهم ليذكرهم بالموثق المأخوذ عليهم، كما يذكرهم بتفريطهم في يوسف من قبل‏.‏ ويقرن هذه إلى تلك، ثم يرتب عليهما قراره الجازم‏:‏ ألا يبرح مصر، وألا يواجه أباه، إلا أن يأذن له أبوه، أو يقضي الله له بحكم، فيخضع له وينصاع‏.‏

أما هم فقد طلب إليهم أن يرجعوا إلى أبيهم فيخبروه بأن ابنه سرق، فأخذ بما سرق‏.‏ ذلك ما علموه شهدوا به‏.‏ أما إن كان بريئاً، وكان هناك أمر وراء هذا الظاهر لا يعلمونه، فهم غير موكلين بالغيب‏.‏ كما أنهم لم يكونوا يتوقعون أن يحدث ما حدث، فذلك كان غيباً بالنسبة إليهم، وما هم بحافظين للغيب‏.‏ وإن كان في شك من قولهم فليسأل أهل القرية التي كانوا فيها وهي عاصمة مصر والقرية اسم للمدينة الكبيرة وليسأل القافلة التي كانوا فيها، فهم لم يكونوا وحدهم، فالقوافل الكثيرة كانت ترد مصر لتمتار الغلة في السنين العجاف‏.‏‏.‏

ويطوي السياق الطريق بهم، حتى يقفهم في مشهد أمام أبيهم المفجوع، وقد أفضوا إليه بالنبأ الفظيع‏.‏ فلا نسمع إلا رده قصيراً سريعاً، شجياً وجيعاً‏.‏ ولكن وراءه أملاً لم ينقطع في الله أن يرد عليه ولديه، أو أولاده الثلاثة بما فيهم كبيرهم الذي أقسم ألا يبرح حتى يحكم الله له‏.‏ وإنه لأمل عجيب في ذلك القلب الوجيع‏:‏

‏{‏قال‏:‏ بل سولت لكم أنفسكم أمراً، فصبر جميل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل‏}‏‏.‏‏.‏ كلمته ذاتها يوم فقد يوسف‏.‏ ولكنه في هذه المرة يضيف إليها هذا الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك‏.‏‏.‏ ‏{‏إنه هو العليم الحكيم‏}‏‏.‏‏.‏ الذي يعلم حاله، ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات، ويأتي بكل أمر في وقته المناسب، عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج‏.‏

هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ‏؟‏ إنه الرجاء في الله، والاتصال الوثيق به، والشعور بوجوده ورحمته‏.‏

ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة، فيصبح عندها أصدق وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار‏.‏

‏{‏وتولى عنهم وقال‏:‏ يا أسفا على يوسف‏!‏ وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم‏}‏‏.‏‏.‏

وهي صورة مؤثرة للوالد المفجوع‏.‏ يحس أنه منفرد بهمه، وحيد بمصابه، لا تشاركه هذه القلوب التي حوله ولا تجاوبه، فينفرد في معزل، يندب فجيعته في ولده الحبيب‏.‏ يوسف‏.‏ الذي لم ينسه، ولم تهوّن من مصيبته السنون، والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الأصغر فتغلبه على صبره الجميل‏:‏

‏{‏يا أسفا على يوسف‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

ويكظم الرجل حزنه ويتجلد فيؤثر هذا الكظم في أعصابه حتى تبيض عيناه حزناً وكمداً‏:‏

‏{‏وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم‏}‏‏.‏‏.‏

ويبلغ الحقد بقلوب بنيه ألا يرحموا ما به، وأن يلسع قلوبهم حنينه ليوسف وحزنه عليه ذلك الحزن الكامد الكظيم، فلا يسرون عنه، ولا يعزونه، ولا يعللونه بالرجاء، بل يريدون ليطمسوا في قلبه الشعاع الأخير‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

وهي كلمة حانقة مستنكرة‏.‏ تالله تظل تذكر يوسف، ويهدك الحزن عليه، حتى تذوب حزناً أو تهلك أسى بلا جدوى‏.‏ فيوسف ميئوس منه قد ذهب ولن يعود‏!‏

ويرد عليهم الرجل بأن يتركوه لربه، فهو لا يشكو لأحد من خلقه وهو على صلة بربه غير صلتهم، ويعلم من حقيقته ما لا يعلمون‏:‏

‏{‏قال‏:‏ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون‏}‏‏.‏

وفي هذه الكلمات يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول؛ كما تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر، ولألائها الباهر‏.‏

إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف، وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته فضلاً على عودته إلى أبيه، واستنكار بنيه لهذا التطلع بعد هذا الأمد الطويل في وجه هذا الواقع الثقيل‏.‏‏.‏ إن هذا كله لا يؤثر شيئاً في شعور الرجل الصالح بربه‏.‏ فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلم هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة بذلك الواقع الصغير المنظور‏!‏

وهذه قيمة الإيمان بالله، ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة‏.‏ معرفة التجلي والشهود وملابسة قدرته وقدره، وملامسة رحمته ورعايته، وإدراك شأن الألوهية مع العبيد الصالحين‏.‏

إن هذه الكلمات‏:‏ ‏{‏وأعلم من الله ما لا تعلمون‏}‏ تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها‏.‏ وتعرض مذاقاً يعرفه من ذاق مثله، فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب‏.‏‏.‏‏.‏

والقلب الذي ذاق هذا المذاق لا تبلغ الشدائد منه مهما بلغت إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق‏!‏

ولا نملك أن نزيد‏.‏ ولكننا نحمد الله على فضله في هذا؛ وندع ما بيننا وبينه له يعلمه سبحانه ويراه‏.‏

ثم يوجههم يعقوب إلى تلمس يوسف وأخيه، وألا ييأسوا من رحمة الله، في العثور عليهما، فإن رحمة الله واسعة وفرجه دائماً منظور‏:‏

‏{‏يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله‏.‏ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون‏}‏‏.‏‏.‏

فيا للقلب الموصول‏!‏‏!‏‏!‏

‏{‏يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه‏}‏‏.‏‏.‏

تحسسوا بحواسكم، في لطف وبصر وصبر على البحث‏.‏ ودون يأس من الله وفرجه ورحمته‏.‏ وكلمة ‏{‏روح‏}‏ أدق دلالة وأكثر شفافية‏.‏ ففيها ظل الاسترواح من الكرب الخانق بما ينسم على الأرواح من روْح الله الندي‏:‏

‏{‏إنه لا ييأس من روْح الله إلا القوم الكافرون‏}‏‏.‏‏.‏

فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله، الندية أرواحهم بروْحه، الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية، فإنهم لا ييأسون من روْح الله ولو أحاط بهم الكرب، واشتد بهم الضيق‏.‏ وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه، وفي أنس من صلته بربه، وفي طمأنينة من ثقته بمولاه، وهو في مضايق ومخانق الكروب‏.‏‏.‏

ويدخل إخوة يوسف مصر للمرة الثالثة، وقد أضرت بهم المجاعة، ونفدت منهم النقود، وجاءوا ببضاعة رديئة هي الباقية لديهم يشترون بها الزاد‏.‏‏.‏ يدخلون وفي حديثهم انكسار لم يعهد في أحاديثهم من قبل، وشكوى من المجاعة تدل على ما فعلت بهم الأيام‏:‏

‏{‏فلما دخلوا عليه قالوا‏:‏ يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر، وجئنا ببضاعة مُزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا، إن الله يجزي المتصدقين‏}‏‏.‏‏.‏

وعندما يبلغ الأمر بهم إلى هذا الحد من الاسترحام والضيق والانكسار لا تبقى في نفس يوسف قدرة على المضي في تمثيل دور العزيز، والتخفي عنهم بحقيقة شخصيته‏.‏ فقد انتهت الدروس، وحان وقت المفاجأة الكبرى التي لا تخطر لهم على بال؛ فإذا هو يترفق في الإفضاء بالحقيقة إليهم، فيعود بهم إلى الماضي البعيد الذي يعرفونه وحدهم، ولم يطلع عليه أحد إلا الله‏:‏

‏{‏قال‏:‏ هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون‏؟‏‏}‏ ‏!‏‏!‏

ورن في آذانهم صوت لعلهم يذكرون شيئاً من نبراته‏.‏ ولاحت لهم ملامح وجه لعلهم لم يلتفتوا إليها وهم يرونه في سمت عزيز مصر وأبهته وشياته‏.‏ والتمع في نفوسهم خاطر من بعيد‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ أَئنك لأنت يوسف‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

أئنك لأنت‏؟‏‏!‏ فالآن تدرك قلوبهم وجوارحهم وآذانهم ظلال يوسف الصغير في ذلك الرجل الكبير‏.‏‏.‏

‏{‏قال‏:‏ أنا يوسف‏.‏ وهذا أخي‏.‏ قد من الله علينا‏.‏ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين‏}‏‏.‏‏.‏

مفاجأة‏!‏ مفاجأة عجيبة‏.‏ يعلنها لهم يوسف ويذكرهم في إجمال بما فعلوه بيوسف وأخيه في دفعة الجهالة‏.‏‏.‏ ولا يزيد‏.‏‏.‏ سوى أن يذكر منة الله عليه وعلى أخيه، معللاً هذه المنة بالتقوى والصبر وعدل الله في الجزاء‏.‏

أما هم فتتمثل لعيونهم وقلوبهم صورة ما فعلوا بيوسف، ويجللهم الخزي والخجل وهم يواجهونه محسناً إليهم وقد أساءوا‏.‏

حليماً بهم وقد جهلوا‏.‏ كريماً معهم وقد وقفوا منه موقفاً غير كريم‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ تالله لقد آثرك الله علينا، وإن كنا لخاطئين‏}‏‏.‏‏.‏

اعتراف بالخطيئة، وإقرار بالذنب، وتقرير لما يرونه من إيثار الله له عليهم بالمكانة والحلم والتقوى والإحسان‏.‏ يقابله يوسف بالصفح والعفو وإنهاء الموقف المخجل‏.‏ شيمة الرجل الكريم‏.‏ وينجح يوسف في الابتلاء بالنعمة كما نجح من قبل في الابتلاء بالشدة‏.‏ إنه كان من المحسنين‏.‏

‏{‏قال‏:‏ لا تثريب عليكم اليوم‏.‏ يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين‏}‏‏.‏‏.‏

لا مؤاخذة لكم ولا تأنيب اليوم‏.‏ فقد انتهى الأمر من نفسي ولم تعد له جذور‏.‏ والله يتولاكم بالمغفرة وهو أرحم الراحمين‏.‏‏.‏ ثم يحول الحديث إلى شأن آخر‏.‏ شأن أبيه الذي ابيضت عيناه من الحزن‏.‏ فهو معجل إلى تبشيره‏.‏ معجل إلى لقائه‏.‏ معجل إلى كشف ما علق بقلبه من حزن، وما ألم بجسمه من ضنى، وما أصاب بصره من كلال‏:‏

‏{‏اذهبوا بقميصي هذا، فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً، وأتوني بأهلكم أجمعين‏}‏‏.‏‏.‏

كيف عرف يوسف أن رائحته سترد على أبيه بصره الكليل‏؟‏ ذلك مما علمه الله‏.‏ والمفاجأة تصنع في كثير من الحالات فعل الخارقة‏.‏‏.‏ وما لها لا تكون خارقة ويوسف نبي رسول ويعقوب نبي رسول‏؟‏

ومنذ اللحظة نحن أمام مفاجأة في القصة بعد مفاجأة، حتى تنتهي مشاهدها المثيرة بتأويل رؤيا الصبي الصغير‏.‏

‏{‏ولما فصلت العير قال أبوهم‏:‏ إني لأجد ريح يوسف‏.‏ لولا أن تفندون‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

ريح يوسف‏!‏ كل شيء إلا هذا‏.‏ فما يخطر على بال أحد أن يوسف بعد في الأحياء بعد هذا الأمد الطويل‏.‏ وأن له ريحاً يشمها هذا الشيخ الكليل‏!‏

إني لأجد ريح يوسف‏.‏ لولا أن تقولوا شيخ خرف‏:‏ ‏{‏لولا أن تفندون‏}‏‏.‏‏.‏ لصدقتم معي ما أجده من ريح الغائب البعيد‏.‏

كيف وجد يعقوب ريح يوسف منذ أن فصلت العير‏.‏ ومن أين فصلت‏؟‏ يقول بعض المفسرين‏:‏ إنها منذ فصلت من مصر، وأنه شم رائحة القميص من هذا المدى البعيد‏.‏ ولكن هذا لا دلالة عليه‏.‏ فربما كان المقصود لما فصلت العير عند مفارق الطرق في أرض كنعان، واتجهت إلى محلة يعقوب على مدى محدود‏.‏

ونحن بهذا لا ننكر أن خارقة من الخوارق يمكن أن تقع لنبي كيعقوب من ناحية نبي كيوسف‏.‏ كل ما هنالك أننا نحب أن نقف عند حدود مدلول النص القرآني أو رواية ذات سند صحيح‏.‏ وفي هذا لم ترد رواية ذات سند صحيح‏.‏ ودلالة النص لا تعطي هذا المدى الذي يريده المفسرون‏!‏

ولكن المحيطين بيعقوب لم يكن لهم ما له عند ربه، فلم يجدوا ما وجد من رائحة يوسف‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ تالله‏.‏ إنك لفي ضلالك القديم‏}‏‏.‏‏.‏

في ضلالك بيوسف، وضلالك بانتظاره وقد ذهب مذهب الذي لا يعود‏.‏

ولكن المفاجأة البعيدة تقع، وتتبعها مفاجأة أخرى‏:‏

‏{‏فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه، فارتد بصيراً‏}‏‏.‏‏.‏

مفاجأة القميص‏.‏ وهو دليل على يوسف وقرب لقياه‏.‏ ومفاجأة ارتداد البصر بعد ما ابيضت عيناه‏.‏‏.‏ وهنا يذكر يعقوب حقيقة ما يعلمه من ربه‏.‏ تلك التي حدثهم بها من قبل فلم يفهموه‏:‏

‏{‏قال‏:‏ ألم أقل لكم‏:‏ إني أعلم من الله ما لا تعلمون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏قالوا‏:‏ يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين‏}‏‏.‏‏.‏

ونلمح هنا أن في قلب يعقوب شيئاً من بنيه، وأنه لم يصف لهم بعد، وإن كان يعدهم باستغفار الله لهم بعد أن يصفو ويسكن ويستريح‏:‏

‏{‏قال‏:‏ سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم‏}‏‏.‏

وحكاية عبارته بكلمة ‏{‏سوف‏}‏ لا تخلو من إشارة إلى قلب إنساني مكلوم‏.‏‏.‏

ويمضي السياق في مفاجات القصة‏.‏ فيطوي الزمان والمكان، لنلتقي في المشهد النهائي المؤثر المثير‏:‏

‏{‏فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه‏.‏ وقال‏:‏ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين‏.‏ ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجداً، وقال‏:‏ يا أبت، هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو، من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي‏.‏ إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم‏}‏‏.‏‏.‏

ويا له من مشهد‏!‏ بعد كر الأعوام وانقضاء الأيام‏.‏ وبعد اليأس والقنوط‏.‏ وبعد الألم والضيق‏.‏ وبعد الامتحان والابتلاء‏.‏ وبعد الشوق المضني والحزن الكامد واللهف الظامئ الشديد‏.‏

يا له من مشهد ختامي بالانفعال والخفقات والفرح والدموع‏!‏

ويا له من مشهد ختامي موصول بمطلع القصة‏:‏ ذلك في ضمير الغيب وهذا في واقع الحياة‏.‏ ويوسف بين هذا كله يذكر الله ولا ينساه‏:‏

‏{‏فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه، وقال‏:‏ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين‏}‏‏.‏‏.‏

ويذكر رؤياه ويرى تأويلها بين يديه في سجود إخوته له وقد رفع أبويه على السرير الذي يجلس عليه كما رأى الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين‏:‏

‏{‏ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجداً، وقال‏:‏ يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يذكر نعمة الله عليه‏:‏

‏{‏وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي‏}‏‏.‏‏.‏

ويذكر لطف الله في تدبيره لتحقيق مشيئته‏:‏

‏{‏إن ربي لطيف لما يشاء‏}‏‏.‏‏.‏

يحقق مشيئته بلطف ودقة خفية لا يحسها الناس ولا يشعرون بها‏:‏

‏{‏إنه هو العليم الحكيم‏}‏‏.‏‏.‏

ذات التعبير الذي قاله يعقوب وهو يقص عليه رؤياه في مطلع القصة‏:‏

‏{‏إن ربك عليم حكيم‏}‏‏.‏‏.‏

ليتوافق البدء والختام حتى في العبارات‏.‏

وقبل أن يسدل الستار على المشهد الأخير المثير، نشهد يوسف ينزع نفسه من اللقاء والعناق والفرحة والابتهاج والجاه والسلطان، والرغد والأمان‏.‏

‏.‏ ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر‏!‏ كل دعوته وهو في أبهة السلطان، وفي فرحة تحقيق الأحلام أن يتوفاه ربه مسلماً وأن يلحقه بالصالحين‏:‏

‏{‏رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث‏.‏ فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة‏.‏ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏رب قد آتيتني من الملك‏}‏‏.‏‏.‏

آتيتني منه سلطانه ومكانه وجاهه وماله‏.‏ فذلك من نعمة الدنيا‏.‏

‏{‏وعلمتني من تأويل الأحاديث‏}‏‏.‏‏.‏

بإدراك مآلاتها وتعبير رؤاها‏.‏ فذلك من نعمة العلم‏.‏

نعمتك يا ربي أذكرها وأعددها‏.‏‏.‏

‏{‏فاطرَ السماوات والأرض‏}‏‏.‏‏.‏

بكلمتك خلقتها وبيدك أمرها، ولك القدرة عليها وعلى أهلها‏.‏‏.‏

‏{‏أنت وليي في الدنيا والآخرة‏}‏‏.‏‏.‏

فأنت الناصر والمعين‏.‏

رب تلك نعمتك‏.‏ وهذه قدرتك‏.‏

رب إني لا أسألك سلطاناً ولا صحة ولا مالاً‏.‏ رب إني أسألك ما هو أبقى وأغنى‏:‏

‏{‏توفني مسلماً وألحقني بالصالحين‏}‏‏.‏

وهكذا يتوارى الجاه والسلطان، وتتوارى فرحة اللقاء واجتماع الأهل ولمة الإخوان‏.‏ ويبدو المشهد الأخير مشهد عبد فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه، وأن يلحقه بالصالحين بين يديه‏.‏

إنه النجاح المطلق في الامتحان الأخير‏.‏‏.‏